ابن كثير

130

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

والسلام « من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان » وهذا قول الجمهور ، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد منهم إمام الحرمين ، وقالت الكرامية « 1 » يجوز اثنان فأكثر ، كما كان علي ومعاوية إمامين « 2 » واجبي الطاعة ، قالوا : وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمام لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف . وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما ، وتردد إمام الحرمين في ذلك . قلت : وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب الأحكام إن شاء اللّه تعالى « 3 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 31 إلى 33 ] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) هذا مقام ذكر اللّه تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم ، وهذا كان بعد سجودهم له ؛ وإنما قدم هذا الفصل على ذلك لمناسبة ما بين المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة حين سألوا عن ذلك ، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون ، ولهذا ذكر اللّه هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم فقال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . قال السدي عمن حدثه عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال : علمه أسماء ولده إنسانا إنسانا والدواب فقيل : هذا الحمار ، هذا الجمل ، هذا الفرس . وقال الضحاك عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وسماء وأرض وسهل وبحر وخيل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها

--> ( 1 ) الكرامية : فرقة من أهل السنة تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان وتوفي ببيت المقدس سنة 869 م . والكرامية مجسمون يذهبون إلى أن اللّه محدود من جهة العرش ، وأن شيئا لا يحدث في العالم قبل حدوث أعراض في ذاته . تعددت فروعهم دون اختلاف في الأصول ، وعرفوا بالزهد والتقوى ، وكثر أتباعهم في خراسان وما وراء النهر وبيت القدس حتى أوائل القرن الثالث عشر . ( 2 ) الحال أن معاوية لم يدّع الإمامة لنفسه وإنما ادّعى ولاية الشام . ( 3 ) بسط القرطبي هذه الأمور المتعلقة بالإمام في تفسيره 1 / 261 - 272 .